data governance / components

المكونات الأساسية لحوكمة البيانات: كيف يتم بناء إطار حوكمة البيانات داخل المؤسسات؟

سمير سليمان الشويكان

بعد أن تعرفنا في المقالات السابقة على مفهوم حوكمة البيانات Data Governance، والفرق بينها وبين إدارة البيانات، والأسباب التي تدفع المؤسسات إلى تطبيقها، يبرز سؤال تطبيقي وهو:

ما هي مكونات حوكمة البيانات؟ وكيف تعمل تلك المكونات معًا داخل المؤسسة؟

تُعرَّف حوكمة البيانات على أنها الإدارة الموثوقة والمنضبطة لأصول البيانات، حيث تتضمن التخطيط والمراقبة والتنفيذ. ويكمن هدفها الرئيسي في ضمان إدارة البيانات بصورة سليمة وفق السياسات والممارسات المعمول بها. كما تُعتبر حوكمة البيانات القوة الدافعة لوظائف إدارة البيانات الأخرى. على أي حال، تحقيق ذلك لا يعتمد بصورة أساسية على عنصر واحد فقط؛ حيث تحتاج المؤسسة إلى مجموعة مترابطة من المكونات التي تعمل على تحويل مفهوم الحوكمة إلى ممارسة مؤسسية يمكن تنفيذها ومراقبتها وتطويرها.

ما هي المكونات الأساسية التي يجب توفرها في حوكمة البيانات؟

لحوكمة البيانات داخل المؤسسات بصورة صحيحة، يجب أن تتوفر خمسة مكونات أساسية، وهي كالتالي:

  1. المبادئتوجّه حوكمة البيانات وتحدد الفلسفة العامة التي تُبنى عليها.
  2. السياساتتتكفل بتحديد القواعد التي تحكم التعامل مع البيانات.
  3. العملياتتعمل على تحويل هذه القواعد إلى ممارسات فعلية.
  4. أطر العملتنظّم العلاقة بين عناصر الحوكمة المختلفة.
  5. القياسات والإشرافتساعد على متابعة الأداء والتأكد من سير الحوكمة بالصورة المطلوبة.

ولتطبيق الحوكمة داخل المؤسسة، يجب على القائد العمل على مجموعة من المكونات الرئيسية التي تمثل مؤسسته، وتشمل: الاستراتيجية، والسياسات، والمعايير والجودة، والإشراف، والامتثال، وإدارة المشكلات، ومشاريع إدارة البيانات، وتقييم أصول البيانات.

أولًا: الاستراتيجية (من أين تبدأ حوكمة البيانات؟)

يُعد وجود استراتيجية للبيانات والحوكمة أحد المكونات الرئيسية لحوكمة البيانات، حيث يكمن دور هذا المكون في تعريف استراتيجية البيانات والحوكمة، والتواصل بشأنها، وتنفيذها معًا. كما تكتسب الاستراتيجية أهميتها من أن حوكمة البيانات يجب أن تتكامل مع توجهات المؤسسة.

وبذلك تصبح الاستراتيجية نقطة تربط بين ما تريد المؤسسة تحقيقه وبين الطريقة التي ستتعامل بها مع بياناتها. فالحوكمة لا تبدأ بوضع قواعد منفصلة، بل تبدأ بفهم التوجه الذي ستسير نحوه المؤسسة في إدارة بياناتها، ثم تحويله إلى استراتيجية يمكن التواصل بشأنها وتنفيذها.

ثانيًا: السياسات (ما هي القواعد التي تحكم التعامل مع البيانات؟)

بعد تحديد الاتجاه الاستراتيجي، يأتي دور السياسات Policies، حيث تتمثل وظيفة هذا المكون في وضع وتنفيذ السياسات المتعلقة بالبيانات وإدارة البيانات الوصفية. فالسياسات تعمل على تحويل التوجه العام للحوكمة إلى قواعد يمكن للمؤسسة الاستناد إليها في إدارة البيانات، بما يشمل تحديد المسؤوليات، والتحكم في الوصول إلى البيانات، وتنظيم جمعها وتخزينها ومشاركتها واستخدامها. وبذلك تشكّل السياسات أحد الروابط الأساسية بين مفهوم الحوكمة والممارسة الفعلية داخل المؤسسة.

ثالثًا: المعايير والجودة (كيف تحافظ المؤسسة على اتساق بياناتها؟)

لا يكفي أن تمتلك المؤسسة سياسات للبيانات؛ بل تحتاج كذلك إلى معايير واضحة لجودة البيانات وهيكلتها، ولذلك تُعتبر المعايير والجودة أحد المكونات الرئيسية لحوكمة البيانات، ويتمثل دورها في وضع وتنفيذ معايير جودة وهيكلة البيانات للحفاظ على الاتساق. الهدف هنا هو ألا تختلف طريقة التعامل مع البيانات من جهة إلى أخرى دون إطار مشترك، بل تكون هناك معايير تساعد في المحافظة على الاتساق، كما ترتبط الجودة بشكل مباشر بأحد أهم أهداف حوكمة البيانات وهو تعزيز الثقة في دقة البيانات واستدامتها، وبذلك تصبح الجودة جزءًا أصيلًا من الحوكمة، وليست نشاطًا منفصلًا عنها.

رابعًا: الإشراف على البيانات (من يتابع التطبيق؟)

بعد وضع الاستراتيجية والسياسات والمعايير، تحتاج المؤسسة إلى متابعة عملية مستمرة للتأكد من تطبيقها، وهنا يأتي دور الإشراف Data Stewardship، وهي المراقبة العملية والتدقيق والتصحيح في مجالات رئيسية من الجودة والسياسات وإدارة البيانات. فلن يتحقق الهدف من وجود سياسة أو معيار فقط، بل يجب أن تكون هناك متابعة للتطبيق، واكتشاف حالات عدم الاتساق، والعمل على تصحيحها. لذلك يرتبط الإشراف بمجالات متعددة في الوقت نفسه، مثل جودة البيانات، والسياسات، وممارسات إدارة البيانات.

خامسًا: الامتثال (كيف تضمن المؤسسة الالتزام بالمتطلبات؟)

يُعد الامتثال Compliance أحد المكونات الرئيسية المهمة لحوكمة البيانات، وتكمن مهمة هذا المكون في ضمان التزام المنظمة بمتطلبات الامتثال التنظيمي المتعلقة بالبيانات. كما ظهر الامتثال أيضًا في مقال لماذا تحتاج المؤسسات إلى حوكمة البيانات؟ باعتباره أحد محركات الأعمال التي تدفع المؤسسات إلى تطبيق حوكمة بيانات قوية تتكيف مع التشريعات المتطورة، وهنا يظهر الفرق بين الامتثال باعتباره دافعًا للحوكمة والامتثال باعتباره مكونًا داخل الحوكمة. فقد تدفع المتطلبات التنظيمية المؤسسة إلى تبني حوكمة البيانات، ثم يصبح ضمان الالتزام بهذه المتطلبات جزءًا من أعمال الحوكمة نفسها.

سادسًا: إدارة المشكلات (ماذا يحدث عندما تظهر مشكلة في البيانات؟)

يمكن أن تظهر مشكلات مرتبطة بالبيانات، حتى مع وجود السياسات والمعايير والإشراف. ولذلك تتضمن حوكمة البيانات مكونًا مخصصًا لإدارة المشكلات Issue Management، حيث يتألف هذا المكون من أربع عمليات رئيسية: تحديد المشكلة، تعريفها، تصعيدها، وحلها.

لا تقتصر هذه المشكلات على جودة البيانات فحسب، بل قد ترتبط بعدد من المجالات، ومنها:

تكشف هذه القائمة أهمية إدارة المشكلات داخل إطار الحوكمة؛ فالمشكلة المتعلقة بالبيانات قد لا تكون مشكلة تقنية بالضرورة، بل قد تكون مرتبطة بالمسؤولية أو السياسة أو المعيار أو حتى المفهوم المستخدم داخل المؤسسة. لذلك تحتاج المؤسسة إلى آلية منظّمة لاكتشاف المشكلة وتعريفها وتصعيدها إلى المستوى المناسب، ثم العمل على حلها.

سابعًا: مشاريع إدارة البيانات (كيف تتحول الحوكمة إلى مبادرة تطويرية؟)

لا تعمل حوكمة البيانات فقط على تنظيم الوضع القائم، بل ترتبط أيضًا بالمبادرات التي تسعى إلى تحسين ممارسات إدارة البيانات. لذلك تتضمن المكونات الرئيسية لحوكمة البيانات مشاريع إدارة البيانات، وهي رعاية المبادرات التي تهدف إلى تحسين ممارسات إدارة البيانات داخل المنظمة. حيث تعمل المشاريع على ربط الحوكمة بجهود التطوير داخل المؤسسة، كما يمكن للمبادرات المتعلقة بإدارة البيانات أن تعمل ضمن إطار حوكمة يضمن ارتباطها بالتوجه المؤسسي والسياسات والمعايير المعتمدة.

ثامنًا: تقييم أصول البيانات (ما قيمة البيانات بالنسبة للمؤسسة؟)

يتمثل تقييم أصول البيانات في وضع معايير وعمليات لتحديد القيمة التجارية لأصول البيانات بشكل متسق، وهذه نقطة مهمة في فهم حوكمة البيانات؛ فالبيانات لا يتم التعامل معها باعتبارها معلومات يجب تخزينها وحمايتها فحسب، بل باعتبارها أصول بيانات يمكن تحديد قيمتها بالنسبة للمؤسسة. ولهذا يجب تقييم تلك الأصول وفق معايير وعمليات متسقة، بدل أن تُقدَّر قيمة البيانات بصورة عشوائية أو مختلفة من جهة إلى أخرى.

كيف تعمل مكونات حوكمة البيانات معًا؟

يمكن فهم إطار حوكمة البيانات داخل المؤسسة باعتباره سلسلة مترابطة من المكونات الثمانية المذكورة سابقًا:

الاستراتيجية تحدد الاتجاه ← السياسات تحوّل الاتجاه إلى قواعد وضوابط ← المعايير والجودة تحدد متطلبات الاتساق ← الإشراف يراقب التطبيق ويدقق ويصحّح ← الامتثال يتابع الالتزام بالمتطلبات التنظيمية ← إدارة المشكلات تحدد المشكلات وتصعّدها وتحلّها ← مشاريع إدارة البيانات تدعم مبادرات التحسين ← تقييم أصول البيانات يحدد القيمة التجارية بصورة متسقة

على أي حال، لا تعمل هذه المكونات بصورة منفصلة، بل يكمّل بعضها بعضًا لتكوين إطار يساعد المؤسسة على إدارة بياناتها بصورة موثوقة ومنضبطة.

من المكونات العامة إلى إطار حوكمة متكامل

يمكن الآن الجمع بين المستويين اللذين تم ذكرهما في فهم منهجية حوكمة البيانات، بناءً على إطار DAMA:

المستوى العام: المبادئ + السياسات + العمليات + أطر العمل + القياسات والإشراف

المستوى العملي: الاستراتيجية + السياسات + معايير الجودة + الإشراف + الامتثال + إدارة المشكلات + مشاريع إدارة البيانات + تقييم أصول البيانات

ولا يمثل التصنيفان قائمتين متعارضتين؛ بل يقدّمان مستويين لفهم بناء الحوكمة: حيث يوضّح التصنيف الأول العناصر العامة التي ينبغي توافرها، بينما يركّز التصنيف الثاني على مجالات العمل الرئيسية التي تتحوّل من خلالها الحوكمة إلى ممارسات داخل المؤسسة.

هل يكفي وجود هذه المكونات لنجاح الحوكمة؟

وجود المكونات يمثل الأساس، لكنه لا يعني أن برنامج الحوكمة سينجح تلقائيًا، والسبب يعود إلى أن حوكمة البيانات عملية مستمرة تتطلب التزامًا تنظيميًا، وأن الاستدامة تعتمد على جودة قائد العمل وراعٍ ومالك. علاوة على ذلك، يجب دمج أنشطة الحوكمة مع تطوير البرمجيات والتحليلات وإدارة البيانات الرئيسية وإدارة المخاطر، والتخطيط لتحقيق تحسينات قابلة للقياس. كما تركّز برامج حوكمة البيانات على تطوير السياسات والإجراءات وممارسات مسؤولي البيانات عبر مستويات المؤسسة المختلفة، وتشارك في جهود إدارة التغيير لتوضيح فوائد تحسين إدارة البيانات وتشجيع السلوكيات اللازمة للوصول إلى إدارة بيانات فعالة.

وهذا يقودنا إلى فكرة أساسية مفادها أن بناء إطار حوكمة البيانات لا ينتهي بتحديد مكوناتها، وإنما يحتاج إلى مبادئ تقود هذه المكونات وتساعدها على الاستدامة.

الخلاصة

يتطلب بناء إطار حوكمة البيانات داخل المؤسسة أكثر من وضع مجموعة من السياسات، حيث يجب ربط مجموعة من المكونات تبدأ من الاستراتيجية، ثم السياسات والمعايير والجودة، وتمتد إلى الإشراف والامتثال وإدارة المشكلات ومشاريع إدارة البيانات وتقييم أصول البيانات. كما تعمل حوكمة البيانات في النطاق الأوسع على المبادئ والسياسات والعمليات، وأطر العمل والقياسات والإشراف.

تعمل هذه العناصر جنبًا إلى جنب من أجل توفير إطار يساعد المؤسسة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالبيانات، والمحافظة على الاتساق والجودة، ومتابعة الالتزام، ومعالجة المشكلات، ودعم المبادرات التي تطوّر ممارسات إدارة البيانات. على أي حال، معرفة المكونات وحدها لا تكفي؛ فالسؤال الأهم هو:

ما هي المبادئ التي ينبغي أن تقود هذه المكونات حتى يصبح برنامج حوكمة البيانات قابلًا للتطبيق والاستمرار؟
في المقال القادم: سنتناول المبادئ الأساسية والسمات الرئيسية لنجاح حوكمة البيانات.
→ رجوع للمدونة تواصل معي