data governance / principles

المبادئ الأساسية والسمات الرئيسية لنجاح حوكمة البيانات

سمير سليمان الشويكان

بعد أن تعرفنا في المقال السابق على المكونات الأساسية لحوكمة البيانات، بدا لنا أن بناء برنامج الحوكمة يبدأ بوضع الاستراتيجية والسياسات والمعايير وتحديد المسؤوليات. على أي حال، وجود هذه المكونات وحدها لا يعني أن الحوكمة ستعمل بالصورة المطلوبة.

ما الذي يجعل حوكمة البيانات ممارسة مؤسسية مستمرة، وليست مجرد سياسات وإجراءات مكتوبة؟

نعلم جميعًا أن حوكمة البيانات عبارة عن عملية مستمرة تتطلب التزامًا تنظيميًا، وأن نجاحها واستدامتها مرهونان بمجموعة من المبادئ والسمات التي توجّه البرنامج منذ بدايته، بطريقة تساعد على دمجه في أعمال المؤسسة. ومن هنا يمكن فهم نجاح حوكمة البيانات من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:

حوكمة البيانات ليست مشروعًا مؤقتًا

من أهم المبادئ التي ينبغي الانطلاق منها هو أن حوكمة البيانات ليست مشروعًا يبدأ وينتهي بتاريخ محدد، فهي عملية مستمرة تتطلب التزامًا تنظيميًا. وهذا يعني أن المؤسسة لن تنتهي بمجرد إعداد مجموعة من السياسات أو تشكيل لجنة أو تحديد مجموعة من المسؤوليات، بل تحتاج إلى استمرار المتابعة والتطوير والتكيف مع احتياجات المؤسسة.

فالبيانات تتغيّر، واحتياجات الأعمال تتغيّر تبعًا لذلك، كما أن المشكلات والمتطلبات المرتبطة بها تتغيّر كذلك. ولذلك يجب أن تكون الحوكمة قادرة على الاستمرار والتكيف مع هذه التغيرات. ومن هنا تبدأ إحدى أهم سمات الحوكمة الناجحة:

الحوكمة ليست وثيقة يتم إعدادها، وإنما ممارسة مؤسسية مستمرة.

القيادة والرعاية: من يقود حوكمة البيانات؟

إذا كانت الحوكمة عملية مستمرة، فإنها تحتاج إلى قيادة واضحة تحافظ على استمراريتها، حيث تعتمد استدامة الحوكمة على وجود العوامل الثلاثة التالية:

يساعد وجود هذه الأدوار على توفير الدعم المطلوب للبرنامج، وربط الحوكمة بالأهداف المؤسسية، والمحافظة على استمرارها. وهنا تظهر أهمية الرعاية التنفيذية؛ وذلك بسبب أن حوكمة البيانات لا تعمل بمعزل عن بقية أعمال المؤسسة، بل تتطلب قرارات وتنسيقًا بين جهات مختلفة. ولذلك فإن نجاح البرنامج لا يعتمد فقط على الأشخاص الذين يعملون بشكل مباشر في مجال البيانات، وإنما يحتاج إلى دعم على المستوى المؤسسي، الذي يساعد على تحويل الحوكمة من مبادرة محدودة إلى ممارسة مؤسسية.

المسؤولية المشتركة عن البيانات

من المبادئ المهمة في حوكمة البيانات المسؤولية المشتركة عن القرارات المتعلقة بالبيانات. فالبيانات لا تنتمي في استخدامها إلى إدارة واحدة فقط، حيث يمكنها أن تنتقل بين أنظمة وإدارات وعمليات مختلفة داخل المؤسسة. ولهذا يصعب أن تنجح الحوكمة إذا ما تم اعتبارها مسؤولية جهة واحدة بمعزل عن بقية الجهات.

تعمل حوكمة البيانات على تفعيل هذه المسؤولية المشتركة من خلال تحديد المشاركين في الحوكمة، والأدوار والمسؤوليات المرتبطة بهم، وآليات اتخاذ القرار المتعلقة بالبيانات، وهذا لا يعني أن المسؤوليات تصبح غير محددة، بل العكس؛ فالمسؤوليات المشتركة تحتاج إلى وضوح أكبر في تحديد من يملك القرار، ومن ينفّذ، ومن يراقب، ومن يشارك. وبذلك تتحول البيانات من مسؤولية تقنية محدودة إلى مسؤولية مؤسسية يشترك فيها أصحاب العلاقة وفق أدوار واضحة.

يجب أن تعمل الحوكمة على مستوى المؤسسة

ترتبط المسؤولية المشتركة بمبدأ آخر، وهو أن جهود إدارة البيانات تكون أكثر فاعلية عندما تتم على مستوى المؤسسة بأكملها، وألا تقتصر على مجال وظيفي واحد. فإذا وضعت كل إدارة سياساتها وتعريفاتها ومعاييرها بصورة مستقلة، فقد تظهر اختلافات في طريقة فهم البيانات واستخدامها أو إدارتها. أما عندما تعمل الحوكمة على مستوى المؤسسة، يصبح من الممكن بناء رؤية أكثر اتساقًا للبيانات وتحديد المسؤوليات والمفاهيم والسياسات التي تتشارك فيها الجهات المختلفة. ولهذا فإن السؤال عند تصميم الحوكمة يجب أن يدور حول كيفية إدارة البيانات باعتبارها أصلًا للمؤسسة.

استراتيجية الأعمال تقود استراتيجية البيانات

لا ينبغي أن تعمل حوكمة البيانات في مسار منفصل عن استراتيجية المؤسسة، كون استراتيجية الأعمال تسهم في توجيه استراتيجية بيانات المؤسسة، ومن خلالها يتم تفعيل أنشطة حوكمة البيانات وإدارة البيانات. فالهدف ليس إنشاء برنامج حوكمة لأن المؤسسة تريد تطبيق مفهوم جديد، وإنما لأن إدارة البيانات يجب أن تخدم أهداف الأعمال، ولهذا تبدأ الحوكمة الفعالة بفهم ما تريد المؤسسة تحقيقه، ثم تحديد الدور الذي يمكن أن تؤديه البيانات في دعم هذه الأهداف.

اختيار نموذج الحوكمة المناسب للمؤسسة

لا توجد طريقة واحدة يمكن تطبيقها على جميع المؤسسات، فكل مؤسسة يجب أن تختار نموذج الحوكمة الذي يدعم استراتيجية أعمالها. كما يتأثر النموذج التشغيلي للحوكمة بعدد من العوامل، منها:

كما يمكن الاعتماد على ثلاثة نماذج رئيسية في بناء الحوكمة المناسبة للمؤسسات:

وجود أكثر من نموذج لا يعني بالضرورة أن أحدها مناسب لجميع المؤسسات؛ بل إن الاختيار يرتبط بطبيعة المؤسسة واستراتيجية أعمالها، وهنا يظهر مبدأ مهم:

نموذج الحوكمة يجب أن يخدم المؤسسة، ولا يجب إعادة هيكلة المؤسسة لتناسب نموذجًا جاهزًا للحوكمة.

تحديد ما ستتم حوكمته

من الأسئلة الأساسية التي ينبغي الإجابة عليها عند بناء برنامج الحوكمة: ما الذي ستتم حوكمته؟ حيث يجب تحديد نطاق الحوكمة من خلال تعيين المجالات والكيانات والعناصر التي يشملها البرنامج، كما يجب تحديد من سيشارك في الحوكمة وما المسؤوليات المرتبطة بكل طرف. تكفل هذه العملية عدم تحول الحوكمة إلى مفهوم واسع غير محدد يصعب تطبيقه، فكلما كان نطاق الحوكمة واضحًا، أصبح من الأسهل تحديد المسؤوليات ووضع السياسات والمعايير التابعة للتنفيذ.

دمج الحوكمة في أعمال المؤسسة

من السمات المهمة للحوكمة الناجحة ألا تعمل بمعزل عن الأنشطة الأخرى، فمن المهم دمج أنشطة الحوكمة مع:

وهذا يعني أن الحوكمة لا ينبغي أن تصبح طبقة إدارية إضافية تعمل بعيدًا عن الأعمال اليومية، وإنما يجب أن تكون جزءًا من الممارسات التي تعتمد على البيانات داخل المؤسسة. فعندما تكون الحوكمة مدمجة في هذه الأنشطة، تصبح السياسات والمعايير والمسؤوليات جزءًا من طريقة العمل نفسها، وهنا تنتقل الحوكمة من التنظيم النظري إلى الممارسة المؤسسية.

إدارة التغيير جزءًا من نجاح الحوكمة

لا يتعلق تطبيق حوكمة البيانات بالسياسات والأنظمة فقط؛ فنجاحها يتطلب تغيرًا في طريقة تعامل الأفراد والجهات مع البيانات، ولذلك من المهم مشاركة برامج الحوكمة في جهود إدارة التغيير بهدف توضيح فوائد تحسين إدارة البيانات، وتشجيع السلوكيات اللازمة للوصول إلى إدارة بيانات فعالة. فوجود سياسة لا يعني بالضرورة أن طريقة العمل ستتغير تلقائيًا؛ على أي حال، يحدث التحول الحقيقي عندما يفهم المشاركون لماذا تتغيّر الممارسات، وما الفائدة التي تحققها هذه التغييرات، وما السلوك المتوقع منهم، ومن هنا تصبح إدارة التغيير جزءًا من الحوكمة، وليست نشاطًا منفصلًا عنها.

الحوكمة الناجحة تحتاج إلى تواصل مستمر

ترتبط إدارة التغيير أيضًا بالتواصل، فمن المهم ضمان التواصل بشكل مستمر كأحد أنشطة الحوكمة، سواء مع أصحاب المصلحة أو المشاركين في البرنامج. ولا يقتصر التواصل على الإعلان عن السياسات فحسب، وإنما يشمل توضيح الأهداف، والمسؤوليات، والتغييرات، والنتائج. ويصبح ذلك أكثر أهمية عندما تشارك جهات متعددة داخل المؤسسة في أنشطة الحوكمة، فكلما اتسع نطاق الحوكمة، ازدادت الحاجة إلى لغة مشتركة وفهم مشترك لما تريد المؤسسة تحقيقه من بياناتها.

ما لا يمكن قياسه يصعب تحسينه

من السمات الأساسية للحوكمة الناجحة وجود قياسات واضحة تساعد على معرفة ما إذا كانت الجهود تحقق نتائج فعلية، وتشمل المجالات التي يمكن قياسها ما يلي:

وهنا لا يصبح القياس مجرد أداة لإعداد التقارير، وإنما وسيلة لفهم أداء البرنامج واتخاذ القرارات المتعلقة بتطويره. حيث سيواجه البرنامج، الذي لا يستطيع إظهار ما الذي تغيّر من تطبيق الحوكمة، صعوبة في إثبات قيمته واستدامته داخل المؤسسة.

نجاح الحوكمة يحتاج إلى متابعة مستمرة

يجب ألا يكون قياس الحوكمة نشاطًا مؤقتًا، فالمؤسسة تحتاج إلى متابعة البرنامج، ومراجعة أدائه، ومعرفة المشكلات التي تظهر أثناء التطبيق، ثم العمل على تحسينه، من خلال أنشطة مثل:

وبذلك تصبح الحوكمة دورة مستمرة تبدأ من التطبيق، ثم المتابعة، ثم القياس، ثم اكتشاف المشكلات، ثم التحسين، ثم الاستمرار — وهذا ما يجعل الحوكمة قادرة على التطور بدل أن تتوقف عند النموذج الذي بدأت به.

ما هي السمات الرئيسية لبرنامج حوكمة بيانات ناجح؟

عند جمع المبادئ السابقة، يمكن تلخيص السمات الرئيسية في مجموعة مترابطة:

  1. الاستمراريةالحوكمة عملية مستمرة وليست مشروعًا مؤقتًا.
  2. القيادة والرعايةوجود قائد وراعٍ ومالك يساعد على استدامة البرنامج.
  3. المسؤولية المشتركةالقرارات المتعلقة بالبيانات لا تقتصر على جهة واحدة.
  4. النطاق المؤسسيتكون إدارة البيانات أكثر فاعلية عندما تعمل على مستوى المؤسسة.
  5. الارتباط باستراتيجية الأعمالتوجّه استراتيجية الأعمال استراتيجية البيانات وأنشطة الحوكمة.
  6. ملاءمة نموذج الحوكمةتختار المؤسسة النموذج الذي يناسب هيكلها وحجمها ودرجة المركزية لديها.
  7. وضوح النطاق والمسؤولياتتحديد ما ستتم حوكمته ومن سيشارك في ذلك.
  8. التكامل مع الأعمالدمج الحوكمة مع تطوير البرمجيات والتحليلات وإدارة البيانات الرئيسية وإدارة المخاطر.
  9. إدارة التغيير والتواصلتوضيح فوائد تحسين إدارة البيانات وتشجيع السلوكيات المطلوبة والتواصل بصورة مستمرة.
  10. القياس والتحسينالتخطيط لتحقيق تحسينات قابلة للقياس ومتابعة قيمة البرنامج وفعاليته واستدامته.

هذه السمات لا تعمل بصورة مستقلة، بل يكمّل بعضها بعضًا. فالقيادة تدعم الاستمرارية، والاستراتيجية تحدد الاتجاه، والمسؤوليات توضّح من يقوم بالعمل، والتواصل يساعد على التغيير، والقياس يكشف ما إذا كانت الجهود تحقق النتائج المطلوبة.

من المبادئ إلى الممارسة

يمكن تلخيص رحلة نجاح حوكمة البيانات في المؤسسة بالنموذج التالي:

استراتيجية أعمال واضحة
↓
استراتيجية بيانات مرتبطة بها
↓
نموذج حوكمة مناسب للمؤسسة
↓
نطاق وأدوار ومسؤوليات واضحة
↓
دمج الحوكمة في أعمال المؤسسة
↓
إدارة التغيير والتواصل
↓
قياس النتائج والتحسين المستمر

وهنا تظهر الفكرة الأساسية:

نجاح حوكمة البيانات لا يعتمد على عدد السياسات التي تضعها المؤسسة، بل على قدرتها على تحويل الحوكمة إلى ممارسات مؤسسية مستمرة، مرتبطة بالأعمال، واضحة المسؤوليات، وقابلة للقياس والتحسين.

الخلاصة

لا تقتصر حوكمة البيانات على كتابة مجموعة من السياسات والإجراءات التي يتم إعدادها لمرة واحدة ثم ينتهي العمل عليها، بل هي عملية مستمرة تتطلب التزامًا تنظيميًا. يبدأ نجاح الحوكمة بوجود قيادة ورعاية واضحة، ثم ربط استراتيجية البيانات باستراتيجية الأعمال، واختيار نموذج الحوكمة الذي يناسب المؤسسة، ثم تحديد نطاق الحوكمة والأدوار والمسؤوليات المرتبطة بها.

على أي حال، تحتاج المؤسسة أيضًا إلى دمج الحوكمة في أعمالها، وإدارة التغيير، والتواصل المستمر، وقياس النتائج، والعمل على التحسين بصورة مستمرة. وبذلك يمكن النظر إلى نجاح حوكمة البيانات من خلال سؤال بسيط:

هل أصبحت الحوكمة جزءًا من طريقة تعامل المؤسسة مع البيانات، أم أنها ما زالت مجموعة من السياسات واللجان المنفصلة عن العمل اليومي؟

تساعد الإجابة على هذا السؤال في معرفة مدى انتقال المؤسسة من وجود حوكمة للبيانات على الورق إلى ممارسة الحوكمة فعليًا داخل المؤسسة.

بعد أن تعرفنا على المكونات والمبادئ التي يقوم عليها برنامج حوكمة البيانات، يأتي السؤال التالي: من المسؤول عن اتخاذ القرارات وتنفيذ هذه الحوكمة داخل المؤسسة؟

في المقال القادم: الهيكل التنظيمي لحوكمة البيانات — الأدوار والمسؤوليات ونماذج التشغيل.
// أنهيت المسار 🎉 رجوع لمسار حوكمة البيانات
→ رجوع للمدونة تواصل معي