تبدأ كثير من المشاريع بفكرة تبدو جيدة: نظام جديد، منصة رقمية، منتج، خدمة، تطوير إجراء قائم، أو مبادرة يُتوقع منها تحسين الأداء. على أي حال، وجود فكرة جيدة لا يعني بالضرورة أننا أمام مشروع يستحق التنفيذ، فالسؤال الأهم حول إدارة المشاريع يكمن في:
وهنا تبدأ إدارة المشاريع من منظور مختلف، فهي لا تتعلق فقط بإعداد جدول زمني، وتوزيع المهام، ومتابعة نسبة الإنجاز، وإنما تبدأ من فهم الحاجة، ثم دراسة مبررات المشروع، وتحديد القيمة المتوقعة منه، واختيار الطريقة المناسبة لإدارته، وذلك قبل الانتقال إلى التخطيط، والتنفيذ، والمراقبة، والتغيير. والأهم من ذلك كله هو الإجابة على السؤال التالي:
في هذا الدليل المبسط سنحاول فهم هذه الرحلة بدءًا من صناعة الفكرة وانتهاءً عند تحقيق القيمة وصناعة الأثر.
من إثبات الاحتياج إلى تنفيذ المشروع
قبل التفكير في خطة المشروع، هناك ثلاثة مفاهيم من المهم التمييز بينها:
- حاجة الأعمال Business Needs
- دراسة الجدوى Business Case
- قيمة العمل Business Value
تبدأ الرحلة من حاجة الأعمال Business Need، حيث يجب أن يكون هناك مشكلة، أو حاجة، أو فرصة تستحق الدراسة. بعد ذلك تأتي مرحلة دراسة الجدوى Business Case، والتي تعرض الأسباب الجوهرية لإقامة المشروع، ثم تقترح المشروع المناسب لمعالجة تلك الحاجة. وأخيرًا مرحلة قيمة الأعمال Business Value، وهي استخراج المنفعة التي يُفترض أن تخرج من المشروع.
يعد هذا التسلسل أمرًا مهمًا، وذلك لأنه يمنعنا من القفز بشكل مباشر إلى الحل دون معرفة المسببات الأساسية للمشكلة. فعندما تظهر مشكلة داخل مؤسسة، قد يكون من السهل أن نبدأ نقاشنا من خلال اقتراح النظام الذي سنشتريه، أو التقنية التي سنستخدمها، أو الفريق الذي سينفذ المشروع. لكن إدارة المشروع الفعّالة تبدأ قبل ذلك بسؤال: ما الحاجة؟ ثم ما المشروع المناسب لمعالجتها؟ ثم ما القيمة التي سيحققها هذا المشروع؟ وبذلك يصبح المشروع وسيلة لتحقيق قيمة، وليس هدفًا قائمًا بذاته.
دراسة الجدوى: لماذا ننفذ المشروع؟
تأتي دراسة الجدوى Business Case لتقدم المبررات الأساسية لإقامة المشروع والقيمة المضافة المتوقعة منه، كما ترتبط بها عملية اختيار الطريقة أو المنهجية المناسبة لإدارة المشروع؛ هل سيكون النهج تنبؤيًا Predictive أم رشيقًا Agile أم هجينًا بين النهجين Hybrid. وهنا تظهر فكرة مهمة، وهي أنه لا ينبغي أن يبدأ المشروع لأن لدينا القدرة على تنفيذه فحسب، بل ينبغي أن تكون هناك حاجة واضحة ومبررات وقيمة متوقعة. وهذا الأمر كفيل بتغيير السؤال الإداري من: هل نستطيع تنفيذ المشروع؟ إلى: لماذا ينبغي أن ننفذه أصلًا؟
الفرق بين السؤالين كبير جدًا؛ حيث ينظر السؤال الأول إلى القدرة على التنفيذ، بينما يركز الثاني على العودة إلى السبب الذي أدى إلى ظهور فكرة المشروع.
القيمة لا تنتهي عند تسليم المشروع
إذا كان المشروع قد بدأ بتحقيق قيمة معينة، فمن الطبيعي ألا يقتصر الاهتمام على تسليم المنتج أو الخدمة، ولذلك يظهر الحديث حول خطة إدارة المنفعة Benefits Management Plan، والتي تهتم بكيفية ووقت تحقيق المنافع وقياسها؛ حيث تشمل الخطة عناصر عديدة مثل المنافع المستهدفة، ومواءمتها مع التوجه الاستراتيجي، والفترة الزمنية لتحقيقها، والمقاييس المستخدمة لمتابعتها، والمخاطر المرتبطة بها. وهنا نصل إلى أحد أهم التحولات في فهم إدارة المشاريع، وهو أن القيمة لا تكمن في التسليم، فقد ينجح الفريق في إنشاء المنتج المطلوب، لكن يبقى السؤال: هل حقق هذا المنتج المنفعة التي تم إنشاء المشروع من أجلها؟
من هنا يصبح قياس النجاح أوسع من الالتزام بالعمل المخطط له، وذلك بسبب أن المشروع في النهاية لا بد أن يرتبط بقيمة أعمال يُفترض أن تتحقق.
يحتاج المشروع إلى طريقة إدارة تناسبه
لا يمكن أن تتشابه المشاريع المختلفة، فلكل مشروع ظروفه ومدخلاته ومخرجاته الخاصة، لذلك تتنوع دورة حياة المشروع، مثل التنبؤي Predictive، التطويري Iterative، التكاملي Incremental، الرشيق Agile، والهجين Hybrid.
فالطريقة المناسبة لإدارة مشروع ليست بالضرورة ستناسب مشروعًا آخر. في النهج Predictive يكون العمل أكثر اعتمادًا على التخطيط المسبق وتحديد المتطلبات والنطاق، أما Agile فيعتمد على طريقة مختلفة في التعامل مع العمل والتسليم والتغيير، بينما يجمع Hybrid بين أكثر من نهج بحسب طبيعة المشروع. وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة في إدارة المشاريع، وهي:
خطة المشروع ليست وثيقة واحدة
عندما نتحدث عن خطة المشروع، فقد يبدو الأمر وكأنه ملف واحد يحتوي على جدول زمني وبعض المهام. لكن في حقيقة الأمر هو عبارة عن إطار يجمع عددًا من الخطط والعناصر الفرعية، منها:
إدارة النطاق، المتطلبات، التكلفة، الجودة، الموارد، الاتصالات، أصحاب المصلحة، المخاطر، المشتريات، الجدول الزمني، بالإضافة إلى الخطوط المرجعية للنطاق والجدول والتكلفة.
وهذا يوضح لماذا لا يمكن الاكتفاء بقائمة مهام لإدارة المشروع، حيث إن المشروع يحتاج إلى الإجابة على أسئلة متعددة، مثل: ماذا سننفذ؟ متى؟ وبأي موارد؟ وكم التكلفة؟ وما مستوى الجودة المطلوب؟ ومن أصحاب المصلحة؟ وكيف ستتواصل معهم؟ وما المخاطر؟ وكيف ستتعامل مع التغييرات؟ كل سؤال من هذه الأسئلة يمثل جزءًا من الصورة الكاملة.
النطاق Scope: ماذا سننفذ؟
يعد إدارة النطاق أحد أهم نقاط البداية في المشروع، وهنا يجب أن نفرق بين مفهومين رئيسيين وهما:
- الخصائص والتفاصيل المرتبطة بالمنتج Product Scope
- الأعمال والمجهود المطلوب للوصول إلى ذلك المنتج Project Scope
ومن هنا تبدأ عملية جمع المتطلبات، ثم تعريف نطاق المشروع، ثم إنشاء هيكل تجزئة العمل WBS، حيث إن الفكرة الأساسية من هذا الهيكل هي تقسيم تسليمات وأعمال المشروع الكبيرة والمعقدة إلى مكونات صغيرة وأكثر قابلية للإدارة والتنفيذ. فكلما أصبحت الأعمال أكثر وضوحًا، أصبح التخطيط لها ومتابعتها أسهل. على أي حال، لا يكفي تحديد النطاق فقط، بل يجب التحكم في النطاق أيضًا.
قد نفقد التحكم في المشروع كلما زاد التوسع
من المفاهيم المهمة في إدارة المشاريع مصطلح Scope Creep أو زحف النطاق، وهو التوسع غير المتحكم به في نطاق المنتج أو المشروع، دون إجراء التعديلات المناسبة على الوقت أو المرور بإجراء التغييرات المطلوبة. فقد يبدأ الأمر بطلب صغير، ثم طلب آخر، ثم إضافة تبدو بسيطة، وبعد فترة يصبح الفريق مسؤولًا عن أعمال لم تكن جزءًا من النطاق الذي بدأ به المشروع. وهنا تظهر أهمية وجود خط أساس للنطاق Scope Baseline، والذي يمكننا من خلاله مقارنة نطاق المشروع بالواقع. فإذا لم يكن لدينا خط مرجعي واضح للنطاق، يصبح من الصعب الإجابة على سؤال بسيط، وهو:
الوقت: متى يجب أن ينتهي العمل؟
بعد معرفة ما الذي يجب تنفيذه، نحتاج إلى معرفة متى وكيف سيتم تنفيذ العمل. وهنا يجب أن نخوض في الحديث عن إدارة الجدول الزمني، والذي من خلاله يتم تحديد الأنشطة، وترتيب العلاقات بينها، وتقدير المدد، ثم تطوير الجدول ومراقبته. على أي حال، لا يعتبر الجدول الزمني مجرد تواريخ موزعة على التقويم فحسب، فبعض الأنشطة تعتمد على أنشطة أخرى، وبعض التأخيرات يمكن استيعابها بينما يمكن أن يؤدي تأخر أنشطة أخرى إلى التأثير على موعد المشروع نفسه. ومن هنا تظهر مفاهيم جديدة أثناء بناء الجدول الزمني للمشروع مثل: المسار الحرج Critical Path، الوقت المسموح Float، مهام متقدمة على الجدولة Leads، مهام متأخرة على الجدولة Lags، وغيرها من الأدوات التي تساعد على فهم العلاقات الزمنية داخل المشروع.
كما أن هناك عددًا من طرق تقدير الوقت مثل:
والهدف في النهاية ليس إنتاج جدول جميل، بل أن نفهم كيف يتحرك العمل عبر الزمن؟ وأين يمكن أن يؤثر التأخير في المشروع؟
التكلفة والموارد: الخطة تحتاج إلى قدرة على التنفيذ
لا يكفي معرفة ما الذي نريد تنفيذه، ونحدد متى ننفذه فحسب، بل يجب أن نعرف أيضًا الموارد والتكاليف المطلوبة. حيث إن ضعف إدارة تكاليف المشروع يمكن أن يؤدي إلى خروج النفقات عن السيطرة، ولذلك تساعد خطة إدارة التكلفة على تخطيط التكاليف والتعامل معها وتحديثها عندما تظهر المشكلات أو التغييرات خلال دورة حياة المشروع. وهذا يعيدنا إلى فكرة أساسية مفادها أن عناصر المشروع لا يمكن أن تعمل بصورة منفصلة، فإن تغيير النطاق قد يؤثر على التكلفة، وتغيير الموارد قد يؤثر على الجدول، وتأخر الجدول قد يظهر تكاليف أو مخاطر جديدة. لذلك تُعبّر إدارة المشروع عن نفسها باعتبارها منظومة مترابطة القرارات.
المشروع ليس خطة فقط، فهناك أشخاص أيضًا
من الممكن أن تكون لديك خطة ممتازة، وجدول دقيق، ونطاق واضح، ومع ذلك قد يواجه المشروع صعوبات في التنفيذ، وذلك بسبب أن المشاريع ينفذها أشخاص. لذلك يجب على مدير المشروع استيعاب مفاهيم تتعلق بالقيادة، وإدارة النزاعات، وبناء الفريق، وتمكين الأعضاء، والتدريب، والتفاوض، والتعاون، وإدارة الفرق الافتراضية، وبناء القواعد الأساسية للفريق، والتوجيه والذكاء العاطفي.
مدير المشروع ليس ذلك الذي يقوم بتحديث جدول المهام ومراقبة عمليات التنفيذ فقط، بل يحتاج إلى العمل مع الفريق وأصحاب المصلحة، والتعامل مع الخلافات، وإزالة العوائق، ودعم الفريق على إنجاز العمل.
أصحاب المصلحة: لا ينبغي للمشروع أن يعيش في عزلة
لكل مشروع أشخاص وإدارات يمكن أن تؤثر فيه أو أن تتأثر به، وهؤلاء هم أصحاب المصلحة Stakeholders. فقد يكون صاحب المصلحة عميلًا، أو راعيًا، أو الإدارة، أو فريق المشروع، أو جهات أخرى لها علاقة بالعمل. ولذلك لا بد من وجود خطة لإدارة أصحاب المصلحة تكون ضمن مكونات خطة إدارة المشروع. فنجاح العمل لا يعتمد فقط على معرفة ما سنقوم به، وإنما على معرفة:
- من يتأثر بهذا العمل؟
- من يستطيع التأثير فيه؟
- كيف ينبغي التعامل معه وإشراكه؟
وهذه أحد الأسباب التي تجعل التواصل جزءًا أساسيًا من إدارة المشاريع وليس نشاطًا جانبيًا.
المخاطر ليست هي المشكلات
من الأخطاء التي يمكن أن تحدث في المشاريع التعامل مع الخطر والمشكلة باعتبارهما شيئًا واحدًا. لكن هناك فرقًا مهمًا، وهو أن الخطر Risk يتعلق بشيء مستقبلي غير مؤكد ويمكن أن يؤثر في المشروع، أما المشكلة Issue فهي أمر وقع بالفعل ويحتاج إلى التعامل معه، وبذلك تختلف طريقة إدارة كل منهما.
فالمخاطر تحتاج إلى تحديد وتحليل واستجابة ومتابعة قبل أو أثناء احتمال وقوعها، بينما المشكلة القائمة تحتاج إلى إجراء لمعالجتها. الفكرة هنا ليست المصطلح نفسه بقدر ما هي طريقة التفكير:
التغيير ليس استثناءً
حتى مع التخطيط الجيد، يمكن أن تتغير بيئة المشروع. فقد تظهر متطلبات جديدة، أو تتغير ظروف العمل، أو يصبح تحديث أحد الخطوط المرجعية ضروريًا. لكن وجود التغيير لا يعني تنفيذه مباشرة. وهنا يظهر دور لجنة التحكم في التغيير Change Control Board — CCB في تقييم التغيير من حيث التكلفة والمخاطر وتأثيره على القيمة، ثم تقديم توصية حول الموافقة عليه. وقد يكون اعتماد بعض التغييرات ضمن صلاحيات مدير المشروع، بينما تحتاج تغييرات أخرى إلى التصعيد حسب حدود الصلاحيات. وهنا تظهر نقطة إدارية مهمة:
المشروع يعمل داخل المؤسسة
لا يعمل المشروع في فراغ، فالثقافة المؤسسية، والهيكل التنظيمي، والسياسات والأنظمة، والأشخاص المؤثرون وصنّاع القرار، جميعها تؤثر في طريقة تنفيذ المشروع. لذلك يجب على مدير المشروع فهم الثقافة المؤسسية، والتي قد تؤثر بصورة مباشرة في قدرة المشروع على تحقيق أهدافه، كما يحتاج إلى معرفة صنّاع القرار والمؤثرين والعمل معهم بما يدعم نجاح المشروع. علاوة على ذلك، يجب على مدير المشروع الامتثال للمتطلبات القانونية والتنظيمية الداخلية، ومتطلبات الجودة والمشتريات والجوانب البيئية والاجتماعية، والأخلاقية، والصحة، والسلامة. وبذلك يتسع منظور إدارة المشروع إلى معرفة ما تم إنجازه بالطريقة التي تتوافق مع البيئة التي يعمل بداخلها، بدلًا من أن تكون النظرة مقتصرة على الإنجاز فقط دون أي اعتبار للمؤسسة التي يمثلها.
عندما يؤدي المشروع إلى تغيير مؤسسي
بعض المشاريع لا تنتج نظامًا أو خدمة فقط، بل تعمل على تغيير طريقة عمل المؤسسة. وهنا يصبح التعامل مع التغيير المؤسسي جزءًا من الصورة، ومن المفيد أن يلتزم مدير المشروع بالإطار ADKAR، والذي يتمثل في خمسة عناصر:
- الوعي Awareness
- الرغبة Desire
- المعرفة Knowledge
- القدرة Ability
- التعزيز Reinforcement
وهذا يذكرنا بأن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على تسليم الحل، فإذا كان الحل يتطلب تغييرًا في طريقة عمل الأشخاص، فإن نجاحه يرتبط أيضًا بقدرتهم على فهم التغيير وقبوله واكتساب المعرفة والقدرة اللازمة لتطبيقه ثم المحافظة عليه.
من تنفيذ المشروع إلى صناعة القيمة
إذا جمعنا كل ما سبق، يمكننا النظر إلى رحلة المشروع من خلال النموذج التالي:
- حاجة أعمال
- دراسة جدوى
- قيمة متوقعة
- اختيار طريقة إدارة المشروع
- تحديد النطاق والمتطلبات
- التخطيط للوقت والتكلفة والموارد والجودة
- إدارة الفريق وأصحاب المصلحة
- إدارة المخاطر والتغيير
- التنفيذ والمراقبة
- التسليم
- تحقيق المنافع والقيمة
الخلاصة
وهنا تتضح الصورة الأكبر لإدارة المشاريع، فالمشروع ليس جدولًا زمنيًا، ولا مجموعة مهام، كما أنه ليس منتجًا يجب تسليمه في الوقت المحدد فقط، بل هو رحلة تبدأ بحاجة، وتتحول إلى قرار ومشروع وخطة وتنفيذ، وتنتهي بالقيمة التي كان من المفترض أن يحققها المشروع.